الجمعة، 28 أكتوبر، 2011

قصيدة غزل للشاعر طانيوس عبده القصيفي ( المعروف بطانيوس عبده 1903- 1974)



ريتن يموتو الجوع هالنحلات                         ليش عم بيحوّمو عليكي
بيستخلصو العسلات والقطرات                     ويرفرفولك حول خدّيكي
ورح قوم أقصف عمر هالنسمات                    ليش عم يقرّبو لَيكي
بيليعبو بشعرك الخصلات                            وبيخربشولك حدّ دينيكي
تخمين ليش ما بترشقي النبلات                      صوب السما من جفون عينيكي
بتنزّلي أربع خمس نجمات                            يتكتّفو ويمشو حواليكي
من شعاعهم بيحيّكو بدلات                            من الحرير يتخرمشو دَيكي
ويفلشو رموشن على الطرقات                       مطرح البتدوس رِجليكي

الخميس، 27 أكتوبر، 2011

راحلون يقيمون في الوجدان

جدّتي إم عزيز (لبيبة الغاوي القصيفي) مع حفيدتها ناديه
زمن وجاق (مدفأة) المازوت الذي خلف وجاق الحطب

 عزيز القصيفي وزوجته سعاد الأسمر
هو حضن أخوته عند وفاة والدهم وهي كانت خير رفيقة له
مناسبة الصورة: كانا متوجّهين لزيارة الست (شفيقة)
خلفهما: قصر نسمّيه قصر الكويتي
اشتراه الآن أحد أثرياء بعبدا ويريد هدمه لبناء شقق للبيع
هل تبقى شجرات السرو وخميلة الياسمين؟ 


حامل الشمعة يوسف القصيفي يمسك بيد ابن عمّه جريس
يوسف صار شاعرًا وأسّس مدرسة
توفي بجلطة دماغيّة وكان لا يزال في عزّ عطائه وشبابه

صليب في موضع البيت الذي كان يقيم فيه جريس الغاوي

 مي وشقيقها بسّام القصيفي
الفتاة قضت طفلة في حادث أليم حين وقعت في المدرسة وارتطم رأسها بالأرض
لا تزال مي جرحًا يدمي قلب أمّها (إيفيت) ولم تبلسمه السنون الطويلة
بل توسّع الجرح وازداد عمقًا في قلب الأم بوفاة ابنها (مارون) وحفيدها (باتريك)

في يوم الشعانين: (3 نيسان 1966)
إلى الشمال الكاهن حنّا الرامي
إلى اليمين الكاهن الشابّ بيار بو لحّود ابن البلدة
في الوسط عمّه اسكندر بو لحّود، صاحب صوت مميّز وجميل تفتقده الريحانيّة وكنيستها
ورث عنه حفيده اسكندر أنطوان بو لحّود جمال الصوت
خلف العمّ اسكندر بشارة القصيفي


الثلاثاء، 25 أكتوبر، 2011

حين تمرّ الطريق وترتفع الأبنية

حركة بناء بدأها أهل الريحانيّة ولم يعرفوا أنّهم سيحزنون حين سيبدأ سواهم بالبناء
مبنى عزيز وبشارة القصيفي خلال رفع طبقاته (3 نيسان 1966)
أقمنا نحن في الشقة جهة اليمين (حيث عواميد الخشب)
قبل ذلك أقمنا في الطابق الأرضيّ جهة الشمال (وهناك ولدت)

هدم هذا الخمّ (1 آذار 1992) وأقيم مكانه مبنى راق جدًّا (2008)
وذبح الديك وأقام مكانه مغنّ
في الحقيقة ثمّة فرق بين الصوتين!

كان جريس الغاوي (خال والدي) يقيم في هذا المنزل
الطريق العامّ العريض محا البيت من الوجود

حين أقفل الباب في منزل المرحوم جريس الغاوي عند وفاته

بمثل هذه الأواني المنزليّة كانت حياة المزارعين تكتمل

الدرج إلى الدكّان الوحيد في داخل القرية
على الدرج: شربل بشارة القصيفي (1979)
صاحب الدكّان: طانيوس نخله القصيفي (هاجر مع زوجته إلى أوستراليا)

من شرفة منزلنا كنّا نرى البحر
المبنى إلى يمين الصورة لعائلة بو لحّود

مدخل الريحانيّة من جهة الشمال لم يعد هكذا
ارتفع فوقه جسر ضخم

الاثنين، 24 أكتوبر، 2011

صور من زمن جميل (1)

فتيات وفتيان على درج الكنيسة
هم زنابق مريم وفرسان العذراء
(حركة دينيّة مسيحيّة في القرى والبلدات والمدن تقيم نشاطات روحيّة وترفيهيّة للأولاد)

جوقة الكنيسة مع الخوري نبيل الحاج

السبت، 22 أكتوبر، 2011

ليلة رأس السنة...خارج الريحانيّة وقبل الحرب


من اليمين: طانيوس القصيفي، المرحوم يوسف القصيفي، ابراهيم غيّا، غسّان بو خليل، جريس القصيفي (1970/ 1971)

ليلة رأس السنة...خارج الريحانيّة
في تلك الأيّام لم تكن الريحانيّة معنيّة باحتفالات ليلة رأس السنة، فأهلها المزارعون الذين يكفيهم خبزهم كفاف يومهم لم يكن في مقدورهم تحمّل كلفة السهر خارج بيوتهم، فضلًا عن أنّ هذا النوع من الاحتفالات كان ترفًا لا يُتاح لكلّ الناس. ومع ذلك، كان السهر في البيوت ينتهي بحفلة تكسير أواني زجاجيّة في تقليد يهدف إلى التخلّص من الآثار السلبيّة للسنة المنصرمة. والإنسان يطمح دائمًا في سنوات سِمان أكثر خيرًا من تلك التي مضت، مهما كان الرزق فيها وفيرًا والصحّة جيّدة، فكيف إذا كان أهل الريحانيّة من المزارعين المحكومين بعطاء الأرض في وطن لا يولي الزراعة والمزارعين أدنى اهتمام.
ولكنّي لا أذكر أنّ الحرمان من بعض كماليّات الحياة جعلنا تعساء. كان ثمّة قناعة ما، لا أدري ما سرّها، توحي لنا بأنّ ما نحن فيه هو أفضل ما يمكن أن يكون عليه الناس. لذلك لا تبدو لي الآن هذه الذكريات سوى نبع حنين لا ينضب عن عالم أليف وحنون وسعيد بالرغم من كثير من المشكلات التي لا بدّ منها. فالريحانيّة في النهاية ليست سوى قرية فيها مختلف أصناف الناس، وتتصارع فيها مجموعة من الأفكار والمشاعر، لكنّ ما في أهلها من إباء وكبرياء جعلهم يتصرّفون على رغم الفقر والمشكلات التي تنتج عنه كأنّهم أكثر الناس اكتفاء لا بل أكثرهم غنى. كيف لا وهم يحبّون أمرين: الأرض والشعر.
والدي الذي أصغر أخوته اكتشف معنى السهر في بيروت، وفي مرحلة لاحقة اصطحب معه مجموعة من الشبّان منهم أولاد أخوته، وأترابهم من أبناء الجيران. كان هو كبيرهم ويملك سيّارة، ويعرف معنى السهر وقيمة كأس العرق مع اللقمة الطيّبة، فكيف لا يؤسّس لتقليد جديد خارج حدود القرية، والسهر ليلة رأس السنة في مطعم يوزّع عليهم الطرابيش الحمراء احتفاء بالمناسبة؟ لا أعرف كم دام هذا التقليد. الصور في ألبومات عائلتنا تظهر بوضوح أنّ تلك السهرات توالت لفترة ثمّ توقّفت. هي هموم الحياة على الأرجح، تلتها الحرب. بعض أفراد شلّة السهر غادروا المنطقة: سفرًا أو انتقالاً إلى مكان آخر بحكم الزواج، أو غيابًا لا يليق به اسم الموت.
هذه الصور الفوتوغرافيّة السوداء والبيضاء تربط الريحانيّة بليل بيروت. أمّا نحن الآخرين، الصغار والنساء وبعض العجزة، فلم نعرفها إلّا نهارًا، حين كان يتاح لنا أن نزور أسواقها في مناسبات متباعدة، وما زال الأحياء منّا يحتفظون بصور غائمة عن أسواق تضجّ بالحركة والناس، لكلّ سوق رائحة ومزاج وأصوات ومشاهد. ولها كلّها الآن شوقُ طفلة، كانت أنا، يمسك والداها بيديها ويرفعانها عن الأرض كي تعبر فوق المياه الجارية قنوات في سوق السمك، أو تفتح عينيها لترى كميّات الأقمشة الملوّنة الملفوفة على عيدان خشبيّة ثخينة، يحملها الباعة في سوق "أبو النصر" برشاقة و"يفلشونها" أمام النساء، أو تصغي إلى دعوات الترحيب يردّدها أصحاب المحلاّت الصغيرة المتجاورة وهم يجلسون على كراسيهم الواطئة أمام الأبواب في سوق "سرسق"، يلحّون على العابرين المسرعين للدخول والشراء. والطفلة الصغيرة كانت، لو استطاعت، لبّت الدعوات كلّها، لعلّها تكتشف الأسرار المختبئة في عتمة الدكاكين.

الجمعة، 21 أكتوبر، 2011

كنيسة مار الياس – الريحانيّة

 الكنيسة خلال أعمال الترميم بعدم مرّت الطريق من أمامها إلى بعبدا

 داخل الكنيسة عند البدء بأعمال تغيير الديكور


داخل الكنيسة قبل تغيير مذبحها ومقاعدها 

والدي يقرع الجرس بيد واحدة 

أوّل حفلة عمادة احتُفل بها في الكنيسة الجديدة كانت لي ولـ"كارمن" ابنة عمّي "سعد". لا أعرف شيئًا عن الاحتفالات التي جرت في بيت عمّي بعد العمادة، لكنّ والدتي لا تدعني أنسى حفلة الغداء التي استمرّت في بيتنا حتّى العشاء احتفاء بالمناسبة. وقيلت فيها عشرات القصائد الزجليّة، التي لم يبق منها شيء في ذاكرة أحد.
ويحلو لي أن أشاكس والدتي المتباهية بأنواع المأكولات والمشروبات التي قدّمت يومذاك فأقول لها: وماذا استفدت أنا من ذلك؟ لم أنل شيئًا من تلك الوليمة الفاخرة، سوى حصّتي المعتادة من الحليب.
لا ترتبط الكنيسة في رأسي بالصلوات بقدر ما تبدو لي مكانًا لتوديع الراحلين من أبناء البلدة. طرازها الحائر بين الحديث والقديم ليس فيه ما يثير الرهبة أو يدعو للتأمّل والخشوع، واحتفالات الأعراس كانت تحوّلها قاعة صاخبة للهرج والمرج. أمّا المآتم فكانت تغرقها في عتمة بعد الظهر، وهو الموعد الثابت لصلاة الجنازة، وتجعلها محطّة لائقة قبل الانطلاق إلى المدافن.
في مناسبتين فقط شعرت بأنّ الكنيسة هي أكثر من بناء حجريّ يلتقي فيه الناس مرّة في الأسبوع (يوم الأحد) أو محطّة ما قبل القبر: 
يوم تناولت القربانة الأولى وكان ذلك قبل دخولي المستشفى للخضوع للعمليّة الجراحيّة الأولى في رجلي المصابة بشلل الأطفال وكنت في التاسعة من عمري، ويوم دعت كنائس لبنان إلى سلسلة صلوات لا تتوقّف ولا تنقطع من أجل السلام في لبنان وكانت الحرب في أشدّ مراحلها قسوة وعنفًا.
غريب أن ترتبط الكنيسة بالخوف، كأنّ الديانة التي رسّخوا أسسها في وجداننا لا تستقيم بلا جلجلة وصليب، أو كأنّ المسيح الذي كانت مشاركته الاجتماعيّة الأولى في عرس قانا الجليل امتنع عن حضور أيّ مناسبة إلّا المأتم. 
***
الخوري نبيل الحاج خلال إحدى السهرات الإنجيليّة

ومع ذلك لا أنسى يوم قرأت "الرسالة" (من رسائل القدّيس بولس)، وكانت المرّة الأولى التي تقف فيها فتاة على مذبح الكنيسة في الريحانيّة وتقرأ "الرسالة"، ولولا المرحوم الخوري نبيل الحاج، لما تجرّأت وأنا في بعد صغيرة، على مواجهة القرية وناسها.
على كلّ حال، ليس كلّ رجال الدين سيّئين.
أبناء الريحانيّة خلال السهرة الإنجيليّة 

الاثنين، 17 أكتوبر، 2011

الستّ "شفيقة"




لم تشبه سواها من نساء الحيّ، تلك السيّدة الشابّة الجميلة التي تزوّجت الأرمل "ساسين"، وأنجبت له عائلة. كانت كمن وصل خطأ إلى غير مكانه وزمانه، غير أنّها لم تثر ولم تخالف تقاليد المرحلة وعادات أهل الحيّ، بل انسجمت وذابت في النسيج الاجتماعيّ حتّى صارت منه وفيه.
كان زوجها يكبرها بأعوام كثيرة: مُزارع لا تفارق علبة الكبريت جيب سرواله الكاكيّ الفضفاض، تنجده حين يريد تخليص الأرض من الحشائش والأغصان اليابسة التي يجمعها كومًا كومًا، فيحرقها غير عابئ بصراخ الجارات اللواتي نشرن منذ قليل غسيلًا ناصع البياض، ولم تكن الغسّالات الأتوماتيكيّة قد انتشرت بكثرة بعد، ما يجعل الاعتراض على الدخان في محلّه وإن لم يصل الأمر مرّة إلى حدّ الشجار والزعل. كان عنده ولدان: "طانوس" و"أنطون" (والاسمان يشيران إلى قدّيس واحد هو مار أنطونيوس)، فكان "ساسين" يكنّى بـ"أبو طانيوس". أمّا هي فكانت "إم جوزف". ورافق ذلك اللغز المحيّر طفولتنا إلى أن اكتشفنا مع الأيّام خفايا العائلات وروابط القربى.
وللستّ "شفيقة" هوايتان اشتهرت بهما: لعب الطاولة (طاولة الزهر) تنافس فيها رجال الضيعة، والاعتناء بشتلات "الحبق" التي صارت متعة للعين بلونها الأخضر وشكلها الدائريّ وطيبًا للأنف بعطرها الفوّاح خصوصًا حين كانت "إم جوزف" تبلّل كفّيها بالمياه وتربّت على الشتلات لتعطيها شكلًا دائريًّا يغري الناظرين بالرغبة في الحصول عليها. ولم تكن الستّ لترضى بالتفريط بها، ولو كان موسم النبتة قصيرًا.
غير أنّ ما يبقى في البال من ذكرياتنا عن جارتنا التي كانت تدخّن سكائر المارلبورو (لعلّها كانت المرأة الوحيدة في الحيّ التي تفعل ذلك علنًا)، فإدمانها الصلاة، بل الأصحّ مخاطبة العذراء كما كانت تصف خلوتها أمام تمثال السيّدة العذراء في زاوية غرفة الاستقبال، وحوله الشموع وأواني الزهور ومجموعة صور لنخبة من القدّيسين والقدّيسات.
انكسرت الستّ "شفيقة"بعدما قتل ابنها البكر "جوزف" أثناء معركة "تل الزعتر" (11 تمّوز 1976) في بداية الحرب اللبنانيّة. صورتان تعودان إلى الذاكرة من ذلك المأتم: مشهد "الست شفيقة" وهي تحلّ شعرها المربوط دائمًا في شكل دائرة أسفل رأسها، وطلبها من بنتها "نورما" أن تربط شعرها. وحين سألت عن سبب هذه التصرّفات فهمت أنّ الأمّ ترخي شعرها لتشده من حزنها، والفتاة تجمعه كي لا تبدو كأنّها تتباهى به. المشهد الثاني كان للوالد العجوز المفجوع الذي حمل بندقيّة وأراد أن يطلق النار في الجوّ فأحاط به الرجال ومنعوه.
موت الابن شيء وموت الزوج شيء آخر. هذا ما تعلّمناه من حزن تلك السيّدة التي بقيت حتّى آخر يوم من حياتها تعزّي نفسها بأنّها ليست أفضل من مريم العذراء. في حين لم يبق من موت العمّ "ساسين" أيّ ذكرى. لقد مات ودفن في قريته "إهمج" (أعالي بلاد جبيل)، بعد أعوام على مقتل ابنه، وكانت الحرب في ذروة احتدامها، وكانت "الريحانيّة" تتعرّض لقصف شديد فلم يشارك أحد من أبنائها في مأتم الرجل الذي كان يخلّص الأرض من حشائش يابسة يضرم بها نارًا يسهل إخمادها، في حين لا نزال إلى اليوم عاجزين عن إخماد الحريق الكبير الذي يلتهم الأخضر واليابس.

الأربعاء، 12 أكتوبر، 2011

يا بنتي الملايك رافقوك/ يوسف طانيوس القصيفي

يوسف طانيوس القصيفي



نظم جدّي يوسف طانيوس القصيفي (بو عزيز) هذه الأبيات في مناسبة ولادة ابنته الصغرى "جنفياف" وكان يشعر بدنوّ أجله، علمًا أنّه لم يكن يشكو من شيء. وفعلاً توفيّ وكان عمرها أربعين يومًا:

      يــــــــــــــا بنتي الملايك رافقــــــــــــوكِ                     ع روضة هالدنّي ت يفرّحوكِ     
ع راس السنة جيتي صباحيّه                    وفيــــــــــــــــــــــــــــــــك عيّدونا وعيّدوكِ
شفتي الناسْ صرتِ مستحيّه                    غريبه وبعدهن مـــــــــــــــــا بيعرفوكِ

زلَيْطَه جايي، كْشَيْفه وحَفِيّه                    بِ أحسن مــــــا عندن لبّسوكِ
وبعدْ ما لبّسوكِ بِ شويّي                      غِذا من صدرْ إمّكْ رضّعوكِ

قالوا الناس: تسلم هالبنيّه                       بشفافن لا صدى ولا لحّنوكِ
زِعلتْ وما كانشْ هاين عليي                   بأرخص مــــــا بتسوي سعّروكِ
    إنتِ جوهره عندي غليّه                        ع مال الدني لـــــــــــــــــــو تمّنوكِ       

 مش رح عيش ت تفوقي عليي                  صرتْ ختيارْ وضعيفه سلوكي
    تبقي اسألي كيف كان بيّي                     عن حبّي إلك بيخبرّوك          

        تعيشي ببيت أهلك بهنيّه                       حوالك أخوتك بيدلّلوكِ              
  وكوني طاهرة ونفسك نقيّه                      وصلّي ت الملايك يحفظوك    
                وبعد ما تصلّي بشويّي                          وتقولي الأبانا والسلام                       
 تبقي تذكّري وصيّة أبوكِ    

السبت، 8 أكتوبر، 2011

نيّال من تبقى له كمشة تراب في "بعبدا"



عاصمة جبل لبنان، رئة بيروت الخضراء، مقرّ القصر الرئاسيّ، حاضنة وزارة الدفاع والمحميّة بها، المدروزة قصورًا وسفارات، والناضحة تاريخًا وحكايات، بلدة بعبدا، من يتآمر عليها؟
منذ أعوام قليلة، بدأت بعبدا تشهد تغيّرات تكاد تكون جذريّة تطول البشر والحجر، فحركة العمران العشوائيّة فيها قضت على غاباتها وحوّلت تربتها متاريس من الباطون المسلّح، ومياهها الجوفيّة غارت في العيون والينابيع لتتدفّق في أحواض السباحة الفخمة الخاصّة، وأبناؤها باتوا عاجزين عن شراء شقق فيها فيغادرونها ولا يعودون إلّا إلى مدافنها.وكأنّه لا يكفيها هذا، حتّى صارت كرة تتقاذفها الأرجل من ملعب البلديّة إلى ملعب المحافظة إلى ملعب الوزارات المعنيّة، والجميع ينفض يده من البشاعة المستشرية في مداخلها وشوارعها وطرقها غير المعبّدة ولوحاتها الإعلانيّة، ومن الروائح الكريهة ومجارير الصرف الصحيّ التي تغسل وجه الأرض على مدار الساعة، طاردة عطر خمائل الياسمين التي كانت تزيّن البيوت العتيقة، مفسحة الجوّ واسعًا للبعوض والذباب؛ والجميع يتجاهل النفايات الموزّعة أكياسًا وأكوامًا بين نباتاتها البريّة وما تبقّى من أشجارها، وغياب الحراسة من شوارعها، وحفر الشوارع التي صارت في عمق الهوّة التي تفصل حاضر بعبدا عن تاريخها المجيد.
ولكي نعلم مدى التراخي في تصريف أعمال هذه البلدة، يكفي أن نتذكّر كيف أنّ جسر بعبدا الذي هدمته الطائرات الإسرائيليّة هو آخر ما رمّم من آثار تلك الحرب، وأنّ مبنى بلديّتها لا يزال أنقاضًا مهملة منذ التفجير الذي أودى بحياة الشهيد العميد الركن فرنسوا الحاج.
فمن ذا الذي يريد أن يغيّر هويّة بعبدا ويجعلها مجرّد مدينة إداريّة كبيرة تضيق طرقها بأرتال السيّارات التي تقصد هذه السفارة أو تلك الوزارة أو تلك الثكنة العسكريّة؟ ومن يريد أن يحوّلها موقفًا مجّانيًّا للآليّات والشاحنات وسيّارات الموظّفين في الدوائر الرسميّة؟ وعلى من تقع مسؤوليّة إنقاذها؟نوّاب المنطقة، وهم من أبنائها أو ساكنيها، محصّنون داخل قصورهم، لا يعنيهم أمر البلدة والمصير الذي ينتظرها، وبلديّتها غارقة في المشكلات والتجاذبات، عاجزة عن إيجاد الحلول التي ترضي الجميع وتراعي القانون في الوقت نفسه.
أمّا أبناء البلدة فمشغولون تارة بالانتخابات البلديّة وطورًا بالنيابيّة، ومتى وجدوا بعض الوقت التفتوا صوب كنيسة البلدة ليسألوا فجأة عن أحوالها في مرور مئة عام على بنائها. وهكذا يبقى مصير البلدة الأبعد ممّا تراه العين في أيدي مجموعة غير متآلفة وغير منسجمة من السكّان الذين ضاقت بهم المدينة وضواحيها فاكتسحوا أخضر البلدة وحوّلوه حجارة صمّاء. ولن يمضي وقت طويل حتّى يستيقظ أهالي البلدة على أصوات لا تشبه أصواتهم، وتقاليد لا تشبه تقاليدهم، وحين ينظرون في وجوه بعضهم سيبكون كالنساء ملكًا لم يحسنوا الدفاع عنه كالرجال. ولعلّ خاتمة رواية "يمنى" لسمير عطاالله كانت نذيراً بأنّ بعبدا ستكون الشاهدة على بداية النهاية، ففي نهاية الرواية تنظر "يمنى" من قصرها في "اليرزة" وهي ناحية جميلة من بعبدا، إلى الطائرات الإسرائيليّة وهي تقصف مطار بيروت العام 1968، وتقول: انتهى استقلال لبنان، ثمّ تسقط ميتة. لا اليرزة بقيت كما هي، ولا لبنان بقي كما هو، ولعلّ بعبدا، برمزيّتها وتاريخها والتغيّرات التي نخرت مفاصلها، هي المرصد الذي كان يجب على الجميع أن يراقبوا التغيرات منه وفيه. ولا يغيب عن البال، ونحن عشيّة استحقاق انتخابيّ مصيريّ، أن نشير إلى أنّ هذه البلدة هي بوابة الجبل اللبنانيّ من جهة الغرب، ومتى فتحت على مصراعيها كما هو حاصل حاليًّا، اكتُسح الجبل في غفلة عن أبنائه، وفرقة الكشّافة التي أُطلقت في مثل هذا الشهر من العام الماضي صارت تعرف جيّدًا عدد الخطوات القليلة التي تفصل بين غرب بعبدا وشرقها.
"النهار" - أيّار 2009

الجمعة، 7 أكتوبر، 2011

يوميّات المشي على طريق الريحانيّة




في أكثر الأيّام التي أنوي فيها البدء بنزهتي المعتادة أتردّد، لأنّ الفكرة الأولى التي تخطر على بالي هي: سيمضي النهار ولن أفعل شيئًا آخر. فأنا متى بدأت في المشي أعرف أنّ النزهة ستطول وتطول إلى حدّ أنّني أخشى أن أتأخر عن إنجاز أمور أخرى مطلوبة منّي.
ولكنّي على عكس أكثر الذين يمارسون رياضة المشي لا أفعل ذلك طمعًا بنعيم النحافة والليونة والرشاقة ولا خوفًا من جحيم ترقّق العظام وترهّل العضلات وكآبة النفس، بل رغبة في التقاط مشاهد لا بدّ أن تختلف وإن مشيت على الطريق نفسها، فكيف إذا دخلت في دروب وخرجت من أزّقة. فكما أنّ من غير الممكن أن نشرب من مياه النهر مرّتين فكذلك لا يمكن أن نرى المشهد نفسه مرّتين: لتغيّر في المشهد نفسه أوّلاً ولو في تفصيل واحد أو لتغيّر في مزاجي أو لتطوّر في أفكاري ولأنّ ما كنت أعرفه البارحة أضيفت إليه أمور جديدة اليوم.
ما من طرقات عندنا مخصّصة للمشي، ولكن بلدتي (بعبدا) لا تزال تحتفظ ببضع تجمّعات للأشجار يحلو للمحافظين على البيئة أن يسمّوها غابات، ولذلك أسرق في غفلة عن منشار الزمن وحفّارة الإعمار ساعات أتنقّل فيها بين طرقات البلدة الرئيسيّة والفرعيّة، هذا إن لم أرغب في التوجّه إلى الجبال أو القرى والبلدات البعيدة عن العاصمة بيروت. والمشي على الطرقات غير المخصّصة للمشي له ميزاته إذ لا يمكن ألاّ ألتقي بعشرات الناس سواي من المشاة أو السائقين الذين سيتوقفونني للتحيّة أو للدعوة إلى فنجان قهوة أو للسؤال عن الصحّة والعمل والأهل. فأنا متى اخترت المشي في البلدة عليّ القبول بشروطها الاجتماعيّة فأعود إلى المنزل محمّلة بتحيّات للأهل ووعود قطعتها بزيارة فلانة من الجارات أو فلانة من القريبات العجوزات.
ولكنّ الطبيعة شيء آخر، الأشجار وتغيّرات الفصول على أوراقها وأغصانها وأزهارها وثمارها، الهرر النائمة في كسل أمام المنازل الغارقة في الشمس والسكينة، نواطير الفيلاّت والقصور والبنايات الفخمة يتبادلون الأحاديث مستغلّين غياب أصحاب البيوت، حبال الغسيل على الشرفات والسطوح تشي بمستويات أصحابها الاجتماعيّة، مستوعبات النفايات التي عبثت الهررة والكلاب الشاردة بمحتوياتها ونشرتها على الطرقات ففضحت أسرار من تخلّص منها، أعقاب السجائر المرميّة من السيّارات، النباتات العنيدة التي شقّت طريقها إلى النور من فتحات ضيّقة في الحيطان والسلالم الحجريّة العتيقة، بقع خضراء من العشب البريّ اشرأبّت من بين أوراقها زهرات صغيرة ربيعيّة في فصل الشتاء، فأفكّر في قطافها ثمّ أتراجع وأقول في نفسي: إلامَ سأنظر غدًا إن مررت من هنا ولم يكن في المكان زهور؟
في طريق العودة من نزهتي التي غالبًا ما تحتلّ ساعات ما قبل الظهر، أفكّر في أنّ العالم صغير إلى درجة أنِ اختصرته أمامي بقعة من العشب والأزهار، وكبير بحيث أنّ البقعة الصغيرة نفسها قادرة على أن تفتح أمام عينيّ آفاقًا لا حدود لها.
"
فأعود ولا شيء معي سوى كلمات" تنتظر أن أكتبها.

في وداع ريحانيّة الجبل




لا أعرف إن كانت البلدة التي ولدت فيها لا تزال موجودة، لا أعرف إن وُجدت أصلاً. فالأمكنة ابنة الحكايات، ولعلّ حكاية قديمة أنجبت بلدتي التي أنجبتني. اسمها الريحانيّة، ولم يعد فيها من الريحان إلاّ شجرة يتيمة أمام باب بيتنا، تحيي العابرين على الطريق وتغريهم فيمدّون أيديهم ليقطفوا بعض الحبّات الصفراء الممتلئة فتتساقط الأخريات الكثيرات زخّات من العطر وكرات شمس تتدحرج على التراب القليل الباقي في بلدة تجتاحها الأبنية التي تنبت على جنبات الطرق حيث كان التين والزيتون والعنّاب.
يوم امتدّت الطريق السوداء فوق دروب التراب وتلوّت كالأفعى بين البيوت القليلة تهدّد أطفالها اللاعبين بأمان، هرب الأمان ورحلت العصافير واختفت أشجار الريحان وهاجر الذين كانوا أطفالاً، وصارت الريحانية مجرّد أرض مرتفعة الثمن تصلح للتجارة وتقضم أطرافَها الخضراء البلداتُ المحيطة بها: فتأخذ الفياضيّة من الشرق مستشفى السان شارل، وتأخذ الحازمية بساتينها الشماليّة، وتستعمر برازيليا التي أنشأها مغترب لبناني عاد من البرازيل جانبَها الغربيّ، وتكتسح اليرزة بطبقاتها الاجتماعيّة الراقية حقولَ زيتونها الغنيّة، ولا أعود أعرف أين أقيم. وحين قال لي سائق التاكسي الذي أقلّني ذات عشيّة: إذا كنت ذاهبة إلى بعبدا لا إلى الحازميّة زادت التسعيرة ألفي ليرة، فكّرت في أن أبيع بلدتي بألفين من الليرات، لولا أنّه تابع وقال لي: ضيعان هالضيعة أكلها العمار.
لو عاد الذين ماتوا منذ سنين لما اهتدوا إلى القرية الصغيرة التي كانت مصيفًا لأهل الحدث وارتفع فيها في العامين الأخيرين عشرون بناء من الحجم الهائل لن يعرف المقيمون فيها من الخليجيّين الأثرياء والمغتربين العابرين أيّ شيء عن تاريخها. إم عزيز المنتصبة القامة رغم أعوامها التسعين تمشي ويداها على خاصرتيها، الستّ شفيقة تبلّل كفّيها بالمياه وتربّت على أطراف شتلات الحبق الكبيرة لتنمو مستديرة كأنّها مرسومة رسمًا، العمّ إسكندر يتأبّط ذراع زوجته الستّ هيلين ويعودان معًا مريضًا ليرفّها عنه بأخبارهما الطريفة الذكيّة، الستّ نيني ممرّضة القرية تنقل وصفاتها عن زوجها الذي كان يعمل في الطبيّة ويسمع أحاديث الأطبّاء ويتعلّم منها، العمّ جريس بشرواله العربيّ وزوجته الستّ رشيدة يجلسان أمام بيتهما الذي اختفى ويستعدّان لاستقبال زائري العصر لشرب القهوة، إم كلود التي أتت من الشمال وصارت ابنة الحيّ، العمّ طانيوس الذي حضن السنديانة مودّعًا باكيًّا حين هاجر وهو يناهز الثمانين من عمره إلى أوستراليا حيث أولاده، وغيرهم وغيرهم من الوجوه التي لم تعرف غير الابتسامات تتحدّى بها الفقر لا العوز، وتستقبل بها الضيوف بلا خبث أو رياء، وتروي الأرض حنانًا ودفئًا.
اليوم، غارت عين الريحانيّة تحت هدير الحفر والبناء، وباع الأحفاد البيوت القديمة لتجّار الإعمار، وصارت أشجار الزيتون والتين والعنّاب وقودًا في مدفأة الذاكرة. كلّ ذلك لأنّ الريحانيّة ليس فيها مكان للموتى، ليس فيها مدافن. فأهل الريحانيّة الذين يعتبرون أنفسهم أبناء بعبدا لم ينقلوا مدافنهم الخاصّة إلى جانب الكنيسة التي بنوها منذ خمسين سنة، كأنّهم أرادوا أن يبقوا على انتمائهم إلى البلدة الكبيرة خصوصاً عند الغياب وفي مناسبات الحزن حين يحتاج الإنسان إلى من يحتضن خوفه أمام العبور والفناء. ولأن لا مدافن عندنا زالت هالة القدسيّة عن أرضنا التي لم تجد من يحمي تربتها وأشجارها وذكرياتها، فالموتى مدفونون بعيداً، وليس غير الموتى من يقدر على المواجهة لأنّهم لا يخافون.
هذا الصيف ستمتلئ الأبنية التي شيدت حديثًا بالغرباء الذين لا يعرفون أين يقيمون: هل هم في بعبدا أم الحازميّة أم برازيليا أم الفياضيّة، ولن يبقى من الريحانيّة إلاّ بضع كلمات تحاول أن تصف عطرًا يفوح من شجرة الريحان الوحيدة الباقية أمام بيتنا، ووجوهًا تبتسم للكاميرا في ألبومات عتيقة منسية في زوايا الخزانات، وعقد خرز أزرق تتباهى به مراهقة اكتشفته بين أغراض عتيقة لجدّتها ولم يجرؤ أحد على إخبارها بأنّه كان لـ"عيّوقة" البقرة التي غذّت أهل الحيّ بحليبها الصافي وحين ماتت بكاها الجميع كأنّها فرد من العائلة.
النهار - الثلاثاء 11 أيّار 2010