الخميس، 2 أغسطس 2018

طانيوس عبده (القصّيفي) وفاء لماض وذكرى حضور - حنينه ضاهر 1985


حنينة ضاهر


طانيوس عبده (القصّيفي) وفاء لماض وذكرى حضور
سَحَرَ الشحرور "فلثغ" المنبر لثغته الجميلة
حنينه ضاهر – صحيفة الأنوار – الثلاثاء 9 تمّوز 1985

     في الذكرى الحادية عشرة لغيابه هل نتذكّره؟ طانيوس عبده (القصّيفي) الظاهرة التي لن تتكرّر. النموذج الفريد في الشعر. عفوه نطلب: عفو الشاعريّة الوهّاجة والكلمة المخمل والصياغة الحرير والصوت الكناريّ.
     هذه الجمالات مجتمعة التي كانت طانيوس عبده نستميحها عذرًا إذا أجبرنا على نسيانها أو تناسيها في مهرجان ذكرى أو حفلة تكريم في خضمّ صراعنا المستمرّ منذ السنوات الإحدى عشرة التي ابتدأت بعد غيابه بقليل ولم تنته بعد، ولم ينتهِ صراعنا في البحث عن الهدوء والأمن الذي في ظلاله فقط يُستطاع الصفاء والتركيز لاستخراج الذكريات الحميمة من أقفاص الصدور وتحويلها إنجازات عرفان ووفاء لمن أذابوا حياتهم شموعًا على دروب انطلاقتنا الفكريّة والشعريّة، ومهّدوا لنا الطيق إلى الكأس والمنبر والكتاب.
    طانيوس عبده (القصّيفي) واحد منهم. ولعلّه في الطليعة. طانيوس عبده (القصّيفي) لم يكن ينظم شعرًا ذا وزن وقافية فقط. كان ييجمع بعض الموسيقى والعطر والفرح إلى ما يغزله شعوره من حرير وحبّ وأشياء وجمالات كثيرة. ثمّ يفلش هذه الأشياء على الورق في تنسيق غاية في الذوق فتأتي قصائد ولا أرروع!!
    لكنّ هذه الجمالات قد تكون أقلّ سحرًا وعذوبة وهي على الورق ممّا لو أنشدها طانيوس عبده (القصّيفي) بصوته الجميل ولثغته المحبّبة. فعندئذ تكون النشوة الكاملة والسكر حتّى التلاشي.
    لم يكن طانيوس عبده (القصّيفي) يملم موهبة شعريّة أكثر من غيره من شعراء الزجل، ولكنّه كان متفرّدًا بنوعيّة الموهبة ومستلزماتها من خفّة روح وسرعة خاطر، وحضور بديهة، إلى إلقاء جميل وشكل محبّب.
كان يكفي أن يمسك الدفّ لينشد حتّى تدوّي القاعة بعاصفة هوجاء من الضحك قبل أن يفتح شفتيه: طانيوس سيغنّي: وهذا كاف للفرح والبهجة.
     يقال إنّه من السها جدًّا على الشاعر أو الممثّل إسالة الدموع. ولكنّ إضحاك الناس هو الأصعب وطانيوس كان موهوبًا باستخراج الضحك من أعماق الصدور: ليس الضحك التهريجيّ الرخيص، بل الضحك الصادر من الأعماق/ ضحك الفرح الذي يسيطر على الشعور ويغمر الإحساس.
    وكان موهوبًا حتّى في شكله الخرجيّ الجذّاب: بقامته المتوسّطة وسمرته الخفيفة وحيائه غير المصطنع. والأهمّ تلك اللثغة الحلوة التي تجعل حرف الراء حرف غين، والتي كان يعرف كيف يبرزها ويركّز عليها لمعرفته بفعاليّتها في المستمعين.
جوقة وحفلة
    في أوائل الخمسينات أحيت جوقة شحرور الوادي التي كان طانيوس أحد أعضائها حفلة زجليّة في "مبنى شركة كهرباء بيروت" على طريق النهر لصالح شركة الكهرباء وكانت ردّة الموشّح في آخر الحفلة:
من عينك لو تعطيها / للشركة نور
كانت بتضوي فيها/ كلّ المعمور
    وكانت ردّة طانيوس عبده التي يبرز فيها مدى استغلاله للثغته بحرف الراء وتركيزه عليها:
حيّرتي كلّ أموري / بقدّ مكسّم
وع قلبي حاجي تجوري/ عطرك نسّم
البركان الـ تحت الجوري / لولا تبسّم
بتغلبط أكبر خوري / بالبورخ مور
    هذه الراءات المتعدّدة في الردّة الواحدة أطلقها طانيوس من شفتيه قذيفة من الضحك أشعلت القاعة بالفرح الغامر لفترة طويلة أجبرته على إعادتها أكثر من مرّة!
    ولكن، هل كان لطانيوس عبده (القصّيفي) نصيب من ذلك الفرح والسعادة اللذين كان يعطيهما للناس؟ كان في حياته الخاصّة إنسانًا إنطوائيًّا بعض الشيء، خجولًا، بخاصّة وهو لم يكن يملك من مقوّمات الحياة ما يجعله في طمأنينة إلى غده ومستقبل حياته إلّا قناعته واكتفاؤه الذاتيّ ونفسه الكبيرة!
***
    ولد طانيوس عبده القصّيفي في حدث بيروت سنة 1903، والده هو الشاعر عبده القصّيفي، ولكنّ طانيوس اشتهر باسم والده عبده فقط. ربّما كان ذلك نسبة لرابطة الشعر بينهما. بدأ في نظم الشعر وهو في الثامنة عشرة. قصّته هي قصّة أكثر الشعراء في عصره، ولكنّ طانيوس كان لطبيعته الخجول أثر بالغ على شاعريّته، كان لا يركن ولا يطمئنّ في اطلاقته الشاعريّة إلّا وهو في أحضان الطبيعة، وهو يهيم في منتزهات بعبدا بين وادي خطّار والقرقوف (حيّيان لناحية شمال بعبدا)، متنقّلًا بين المروج والغابات مستوحيًا موسيقى النعيم العليل والطبيعة الشاعرة. ولكنّه ما أن يلمح خيال إنسان حتّى يصمت ويتصبّب عرقًا خوفًا من أن يكون سمعه.
    وظلّ هكذا فترة حتّى تمكّن بعض أصدقائه الخلّص من "تدجين" موهبته، وبعث الثقة في نفسه بالتشجيخ المستمرّ، فأصبح يحضر بعض الجلسات الشعريّة القليلة التي كان الأصدقاء خلالها يضيّقون الخناق عليه باستفزازهم وتحدّيهم حتّى ينطلق ببعض الأبيات!
    في هذه الأثناء تعرّف إلى شحرور الوادي فبدأت نقطة التحوّل في حياته.
    قصّة تعارفه بالشحرور كما رواها لنا بنفسه في إحدى الجلسات، قال:
   "كانت جوقة شحرور الوادي تحيي حفلة زجليّة في بعبدا سنة 1929، وكنّا جالسين حول طاولة، إبن عمّي وأنا. وكنت أتحمّس للردّات الجيّدة التي ينشدها الشعراء. ممّا لفت نظر الشحرور فسأل السيّد فريد لحّود الذي كان جالسًا قريبًا من المنبر: من هو هذا الشاب فقال له اسمي، ثمّ أضاف: وصوته جميل ويغنّي بعض الردّات. فطلب منّي أن أصعد إلى المنبر فمنعني الخجل من ذلك. ولكنّ اثنين من المتحمّسين حملاني إلى المنبر مع الكرسيّ. وحاولت أن اهرب فلم أتمكّن، وشعرت بما يشبه الدوخة، وأنّ حرارتي ارتفعت إلى الأربعين!
    وعندما ناولني الشحرور الدفّ أخذته منه وأنا كالمسحور من شدّة الخوف فوضعت الدفّ على الطاولة وأنشدت لا أدري ماذا وما استفقت إلّا على تصفيق الحاضرين وإعادة ما أنشد:
ساحة علي لمّا دخلت وفِتّها / معنى القوافي ضلوع صدري فتّها
بحرين مدّ وجزر عم يتلاطموا / وروحي البريّه احترت وين بزتّها
   وكانت هذه الردّة الحدّ الفاصل بين الهواية والاحتراف، وبعد انتهاء الحفلة انتميت فورًا إلى الجوقة."
  يبدأ تاريخ طانيوس عبده (القصّيفي) فعليًّا منذ انتمائه إلى جوقة شحرور الوادي. تحرّرت شاعريّته من عوامل الخجل والانطواء فتفجّرت موهبته كالينبوع الصافي العذب. نظم في جميع الموضوعات، ولكنّ شعر الغزل احتلّ المساحة الأكبر من نتاجه. وكان لغزله طعم خاصّ ونكهة مميّزة. كلمة الغزل على شفتيه كانت تحمل ما يضجّ في صدور الأطفال من شقاوة بريئة وشوق طاهر، وشوق مهذّب ومتمرّد في الوقت ذاته:

مش عالأرض خالقنا خلقها / جبلها بالسما وصبّا ومشقها
وقلّا انزلي وع الأرض روحي / وأبواب السما خلفا غلقا
وقلّا انزلي وع الأرض روحي / وبسرّ الجمال للناس بوحي
وصارت عند ما تمشي: يا روحي / يخجل قدّها رمح الرديني
                   شتلة بان شي مفرّخ ورقها

     رافق طانيوس عبده جوقة شحرور الوادي منذ العام 1929 تاريخ انتمائه إليها حتّى توقّفها عن العمل في أوائل الستّينات بدون انقطاع. وكان له ولرفاقه في الجوقة: علي الحاج، أنيس الفغالي، وإميل رزق الله الفضل الكبير بتثبيت دعائم المرسح الزجليّ وارتقائه إلى مستوى رفيع من احترام الجمهور الزجليّ ونخبة المثقّفين والأدباء الذين ارتبط عدد كبير منهم بأعضاء الجوقة برباط وثيق من الصداقة والاحترام المتبادل الذي كان يفرضه التماسك والمصداقيّة والأخلاق العالية التي كانوا يتمتّعون بها. ومن بين العمد الأربعة كان طانيوس عبده (القصّيفي) وجه الفرح والبراءة والطيبة المحبّب إلى كلّ القلوب.
    من بين مئات القصائد المتعدّدة المواضيع والأهداف التي نظمها طانيوس، تحضرني أجملها الآن لتزيدني قناعة وإصرارًا بأنّ في الشعر بعضًا من نبوءة. فمنذ ما يقارب الأربعين سنة قال طانيوس عبده (القصّيفي) هذه الأبيات:
دخلك سمعت الطير شو غنّى وشدا / تخمين عم يعزم رفاقو ع الغدا
سبحان الله شو قلوبن طيّبه / ما فيش ولا مرّه طير ع رفيقو اعتدى
ليش الطيور بالحبّ والطبع الهني / يعيشا سوا ما في فقير ولا غني
ونحنا منجي ومنروح ع وجه الدني / لا منهتدي ولا في حدا يرحم حدا
مش عيب منخلّي الطيور الطايرين / لا دارسين الفلسفة ولا معلّمين
يعيشوا سوا مع بعضهم متفاهمين / ونحنا اختلفنا تحت مشعال الهدى
    طانيوس عبده (القصّيفي) الذي غاب عنّا سنة 1974 في حياته كما في شعره، كذلك في رحيله كان مثال الوداعة والتواضع: تمامًا كزهرة البنفسج بلا ضجيج عاش وبصمت مطبق رحل، لدرجة أنّ قلّة من أصدقائه القلائل تمكّنت من توديعه بما يليق، ونحن منهم، فهل ستتمكّن البقيّة الباقية من محبّي طانيوس عبده (القصّيفي) من إيفائه حقّ الحبّ والعرفان:
لسانك لسان ناسك على العالم كرز / وعينك شقيّه سهمها بصدري غرز
وشفافك الحلوين كلما تبسّموا / بيصير داير معمل مربّى الكرز

الجمعة، 23 مارس 2018

الريحانيّة ومخاض الولادة الثانية








     تولد رعيّة الريحانية اليوم من رحم ذاتها. تخرج إلى الحياة الجديدة بين هرج المشاريع ومرج المعترضين، تصرخ موجوعة من عبورها إلى بركة الحركة، بعدما كانت آمنة في حضن واد ساكن هادئ، لكنّها، ككلّ مولود جديد، تأخذ نفسًا وتقرّر المضيّ في الحياة. فهذا قدر أبنائها مذ انطلقوا في مغامرتهم الرعويّة بلا مال أو عقار، فأثبتوا أنّ إيمانهم صلب، وعزيمتهم لا تلين، وكنيستهم صخرة بكر، وصدرهم رحب.
    وككلّ ولادة، لا يخلو الأمر من ألم الانعتاق، لكنْ، مصحوبًا برجاء الانطلاق في مغامرة الاكتشاف! ومن حنينٍ إلى طمأنينة التقوقع، لكنْ، مطعّمًا بتوق إلى دهشة الاختبار!
    لهذا فلا يجتمع اليوم اثنان من أبناء البلدة إلّا وكان ثالثهما حديث الرعيّة والكنيسة - والخوري في طبيعة الحال-. وبين الاثنين، ثمّة واحد مهلّل للولادة، مستبشر بها، مهنّئ بسلامة الانطلاق، وواحد لا يوافقه الرأي ولا يشاركه الشعور، غير راضٍ عمّا يجري.
   هي طبيعة الأمور حتمًا. لكن حين أنظر وأنا غير المعنيّة مباشرة بالمسألة لكوني من غير الملتزمات والملتزمين، إلى العذارى الخمس الحكيمات يباركن خطوات التجديد، ومشاريع التوسّع، أطمئنّ إلى مستقبل الرعيّة. فجنفياف وناديا وأولغا وليلي وسيمون، الساهرات منذ تفتّح وعيّ كلّ منهنّ على الكنيسة، لن يقبلن للرعيّة بأن تكون منقسمة بين التقليد والتجديد، ولا أن تصير مشرذمة بين ساكنيها الأوائل والجدد الوافدين إليها، ولا أن تضربها رياح التفتّت، فيتفرّق بناتها وأبناؤها.
   العذارى الحكيمات يعرفن أنّ الحكمة ليست شعارًا، ولا عنوانًا، ولا مشروعًا واحدًا يتيمًا. بل هي العمل في صمت الخشوع، والشجاعة في قبول التغيير كما فعل الرسل الأوائل، والالتزام اليوميّ برسالة الكنيسة، بلا ادّعاء ولا مكاسب، والمحبّة التي تتّسع للجميع.
   لذلك، حين لبّيت دعوة الرعيّة للاستماع إلى ريسيتال في مناسبة عيد الأمّ، شاهدت كيف تراقب العذارى الحكيمات الحاضرات الأولاد والشبّان الذين يغنّون، وكلّهم من غير أبناء البلدة الأصيلين، أي من غير عائلات الحلو وبو لحّود والقصّيفي. كان في حضورهنّ ما يعطي شرعيّة لهذا التزاوج المشروع والمطلوب والطبيعيّ بين فئات الناس، فلا تبقى الرعيّة حكرًا على طبقة، أو عائلة، أو شارع، أو بناية...
    لم يكن أداء الأولاد محترفًا، ولم يدّعِ أحد أنّه سيكون كذلك. لكن من يعمل مع الأولاد الهواة، يعرف مقدار الفرح الذي يشيع في النفوس حين يغامر طفل بالعزف، أو حين تبادر طفلة إلى الترنيم. ففي وقوفهم أمام الناس، في تلك المناسبة المفعمة بالمشاعر، كان ثمّة كمّ هائل من الشجاعة والثقة والحبّ والفرح، وما المسيحيّة من دون كلّ ذلك؟
    نعم، الولادة الثانية انطلقت، انطلقت في هذا الجوّ الموسيقيّ البريء والعفويّ، وأهل الريحانيّة الذين بنوا الكنيسة بسواعدهم وأموالهم القليلة، كانوا شاهدين على هذه الولادة، فرحين بها، يباركها الراحلون منهم من عليائهم، ويدعون الأحياء إلى التهليل لها والاحتفاء بها، إذ ليس كالأموات الراحلين من يعرف قيمة الحياة ووجوب تجدّدها!

السبت، 30 ديسمبر 2017

ليلة رأس السنة...خارج الريحانيّة وقبل الحرب (2011)


من اليمين: طانيوس القصيفي، المرحوم يوسف القصيفي، ابراهيم غيّا، غسّان بو خليل، المرحوم جورج القصيفي (1970/ 1971)

ليلة رأس السنة...خارج الريحانيّة
في تلك الأيّام لم تكن الريحانيّة معنيّة باحتفالات ليلة رأس السنة، فأهلها المزارعون الذين يكفيهم خبزهم كفاف يومهم لم يكن في مقدورهم تحمّل كلفة السهر خارج بيوتهم، فضلًا عن أنّ هذا النوع من الاحتفالات كان ترفًا لا يُتاح لكلّ الناس. ومع ذلك، كان السهر في البيوت ينتهي بحفلة تكسير أواني زجاجيّة في تقليد يهدف إلى التخلّص من الآثار السلبيّة للسنة المنصرمة. والإنسان يطمح دائمًا في سنوات سِمان أكثر خيرًا من تلك التي مضت، مهما كان الرزق فيها وفيرًا والصحّة جيّدة، فكيف إذا كان أهل الريحانيّة من المزارعين المحكومين بعطاء الأرض في وطن لا يولي الزراعة والمزارعين أدنى اهتمام.
ولكنّي لا أذكر أنّ الحرمان من بعض كماليّات الحياة جعلنا تعساء. كان ثمّة قناعة ما، لا أدري ما سرّها، توحي لنا بأنّ ما نحن فيه هو أفضل ما يمكن أن يكون عليه الناس. لذلك لا تبدو لي الآن هذه الذكريات سوى نبع حنين لا ينضب عن عالم أليف وحنون وسعيد بالرغم من كثير من المشكلات التي لا بدّ منها. فالريحانيّة في النهاية ليست سوى قرية فيها مختلف أصناف الناس، وتتصارع فيها مجموعة من الأفكار والمشاعر، لكنّ ما في أهلها من إباء وكبرياء جعلهم يتصرّفون على رغم الفقر والمشكلات التي تنتج عنه كأنّهم أكثر الناس اكتفاء لا بل أكثرهم غنى. كيف لا وهم يحبّون أمرين: الأرض والشعر.
والدي الذي أصغر أخوته اكتشف معنى السهر في بيروت، وفي مرحلة لاحقة اصطحب معه مجموعة من الشبّان منهم أولاد أخوته، وأترابهم من أبناء الجيران. كان هو كبيرهم ويملك سيّارة، ويعرف معنى السهر وقيمة كأس العرق مع اللقمة الطيّبة، فكيف لا يؤسّس لتقليد جديد خارج حدود القرية، والسهر ليلة رأس السنة في مطعم يوزّع عليهم الطرابيش الحمراء احتفاء بالمناسبة؟ لا أعرف كم دام هذا التقليد. الصور في ألبومات عائلتنا تظهر بوضوح أنّ تلك السهرات توالت لفترة ثمّ توقّفت. هي هموم الحياة على الأرجح، تلتها الحرب. بعض أفراد شلّة السهر غادروا المنطقة: سفرًا أو انتقالاً إلى مكان آخر بحكم الزواج، أو غيابًا لا يليق به اسم الموت.
هذه الصور الفوتوغرافيّة السوداء والبيضاء تربط الريحانيّة بليل بيروت. أمّا نحن الآخرين، الصغار والنساء وبعض العجزة، فلم نعرفها إلّا نهارًا، حين كان يتاح لنا أن نزور أسواقها في مناسبات متباعدة، وما زال الأحياء منّا يحتفظون بصور غائمة عن أسواق تضجّ بالحركة والناس، لكلّ سوق رائحة ومزاج وأصوات ومشاهد. ولها كلّها الآن شوقُ طفلة، كانت أنا، يمسك والداها بيديها ويرفعانها عن الأرض كي تعبر فوق المياه الجارية قنوات في سوق السمك، أو تفتح عينيها لترى كميّات الأقمشة الملوّنة الملفوفة على عيدان خشبيّة ثخينة، يحملها الباعة في سوق "أبو النصر" برشاقة و"يفلشونها" أمام النساء، أو تصغي إلى دعوات الترحيب يردّدها أصحاب المحلاّت الصغيرة المتجاورة وهم يجلسون على كراسيهم الواطئة أمام الأبواب في سوق "سرسق"، يلحّون على العابرين المسرعين للدخول والشراء. والطفلة الصغيرة كانت، لو استطاعت، لبّت الدعوات كلّها، لعلّها تكتشف الأسرار المختبئة في عتمة الدكاكين.

السبت، 27 ديسمبر 2014

الريحانيّة: حسم الصراع بين الديك والكلب


من بيتنا كنّا نرى السماء والبحر
 
من بيتنا صرنا نرى غابة الباطون


     كنّا نستيقظ عند الفجر على صوت الديكة، فصرنا ننام آخر الليل على نباح الكلاب المرفّهة من على شرفات الشقق الفخمة... هذا ما كانت عليه الريحانيّة وهذا ما صارت إليه... ولكن لا تحسبوا أنّ قاطني هذه الشقق الأثرياء ارتفعوا مقدار سنتيمرات عن مزبلة ديكتنا... فحين تصدح من شققهم، بين نباح كلب وجواب آخر عليه، أغنيات فارس كرم ومحمد اسكندر ومن يشبههما في مستوى الشعر في أغنياتهما، نعرف أنّ ارتفاع أسعار الشقق حولنا إلى ما يقارب المليون دولار لا يعني أنّنا صرنا في بلاد الحضارة...
     كانت الجغرافية عندنا تتوزّع بين هذه الأمكنة:
جَلّ العودة، وجلّ الصرصور، وجلّ الخندق، وجلّ البيدر، وجلّ الطريق، وجلّ الحنّوش، ...
دوّيرة الحدّاد، دوّيرة العرايش، دوّيرة التين، دوّيرة المقصبيّة، دوّيرة ليمون البردقان،...
نقبة وديع، نقبة الخلّة، نقبة تامر، نقية المِئسَيْس، نقب الشمالي، نقبة الدكلة، نقب الجديد،...
خندق فندي، خندق المصريّ، ...
حرج رفقا، كرم الشيخ، زيتونة الأوتيل، نبعة بو رشيد، ...
     أمّا اليوم فأسماء المباني أجنبيّة، كأسماء الكلاب التي تنزّهها العاملات الأجنبيّات، يتسوّل المقيمون فيها شجرة عندنا، عندنا نحن أبناء البلدة الأصيلين، ليلعب في فيئها أولادهم...
     تقيم بلدتي في الغربة، وكلّما ارتفع بناء جديد فيها قصُر النهار، وصارت الشمس تغيب عن بيتنا خلف الطبقات العليا التي سرقت منّا الضوء وأغرقتنا في عتمة مبكرة...
     كان لكلّ بيت في بلدتي ديك يصدح فتولد الشمس من حنجرته، فصار في كلّ منها كلبٌ يخاف من الليل، فينبح ليستأنس بصوته...
     كان في كلّ بيت امرأة ترى أنّ أوراق الأشجار اليابسة طعام الأرض، فصار فيها سيّدات يأمرن بقطع الأشجار حفاظًا على النظافة...
     كان في كلّ بيت رجلٌ يقرأ في السماء علامات المطر وفي الأرض مواعيد العطاء، فصار فيها وجوه تقيم في إطار الغياب...

    كان في بلدتي دروب، وحين شقّت صدرها طريق الإسفلت العريضة، اسودّت عيشتنا وصدورنا وقلوبنا وأفكارنا... وصارت البلدة مدينة غرباء لا نعرف وجوههم ولا أسماءهم... نعرف فقط أنّهم أثرياء ويربّون كلابًا...

السبت، 23 مارس 2013

سبت أليعازر عاد ليقيم الريحانيّة من سُباتها

شربل ومابيل وسارة وريبيكّا القصّيفي

أنطوني وفريد وشربل القصّيفي

ميريام وشربل وريبيكّا وأنطوني ومابيل وجورج
 سيمون القصّيفي حرب وجورج أنطونيوس وأنطوني وشربل القصّيفي

أحد ابناء الجيران أليكس حبشي في دور أليعازر وأنطوني في دور المسيح



ريبيكّا وسارة وأنطوني

مابيل وبشارة وشربل القصّيفي وجورج أنطونيوس



هم شابّات الريحانيّة وشبّانها، تعالَوا على حزنهم وجراحهم وانطلقوا من الكنيسة إلى بيوت البلدة يعيدون تذكار أليعازر الذي أقامه المسيح من الموت.


فريد يحمل الكاميرا ويلتقط الصور ليرسلها إلى هناك، إلى حيث والده يراقب نشاطات البلدة التي لم تصدّق بعد حكاية موته. والموت الذي يصير حكاية خياليّة يتحوّل صديقًا لكثرة ما أخذ من الأحبّة! بصعوبة يبتسم فريد للكاميرا حين يحملها سواه، ففي قلبه أمّه وشقيقتاه وجدّته الثكلى إم الياس التي ستبكي هذه السنة مع مريم الأم الحزينة، ولكن مثلها ستكون شاهدة على القيامة! 
ميريام وسارة وريبيكّا، مشَيْن في موكب القيامة وفي بالهنّ الخال الراحل، ولكن أيضًا الوالدان اللذان ناء قلباهما بالحزن والهمّ، وأنقذهما إيمان يتجدّد مع كلّ معاناة،

أنطوني يقوم بدور المسيح على نيّة شفاء أمّه المقبلة على عمليّة جراحيّة دقيقة!

مابيل وشربل وبشارة وجورج أنطونيوس، وكذلك ميشال ومارون وشربل وكارول وإيليز وكلارا، الحاضرون منهم والغائبون، كلّهم أيقظوا البلدة من سبات طال منذ آخر نشاط رعويّ، وانطلقوا من بيت إلى بيت، يجدّدون وعد القيامة، كأنّهم يبثّون روحًا جديدة في الريحانيّة التي سبقت جاراتها البلدات الكبيرة في أنشطة روحيّة اجتماعيّة مع سميرة وموريس وسامية وميّادة وهنادي وليلي وبيار وسيمون وإيلي والياس وسلام وروجيه وجاك وروبير وجيزيل ونجوى ورنيه وأنطوانيت وهدى وغيرهم كثير...


حمل شبيبة البلدة اليوم، الصليب والصلاة والابتسامة وسلالًا يجمعون فيه البيض لعيد الفصح، وذكّرونا بأنّنا أبناء القيامة مهما كثر الموت في بيوتنا وأحاط الغموض بمصيرنا كمسيحيّين علّمْنا الشرق الحريّة والنسك والعلم! انطلقوا بعدما بثّ فيهم الأب جهاد صليبا روحًا جديدة، فلمّ شملهم، وجدّد إيمانهم، ودعاهم، وهم الجامعيّون المجتهدون، إلى الجمع بين العلم والإيمان، فلا يخجلون بصليبهم ولا بانتمائهم ولا ببلدتهم التي وعدوا بأن ينفضوا عنها الموت كما فعل المسيح مع أليعازر.


سبت أليعازر اليوم بداية عهد جديد يتحدّى الموت، ويدحرج الصخرة عن ظلام القبر، لينشر خبر القيامة، والريحانيّة التي تمشي غدًا في شعانين الفرح بالمسيح، حاملةً شموع النور لأنّنا أبناء النور، تؤمن بأنّ شعنينة أخرى تواكبها في السماء، وكلُّ من فيها من أبناء الريحانيّة يحملنا في قلبه ويقرّبنا من إله المحبّة!

الأربعاء، 27 فبراير 2013

الياس القصّيفي الرياضيّ الذي أسرع إلى الموت









بعد نحو تسعة أشهر من الانقطاع فرضه إيقاع العمل، لم أكن أتوقّع أن أعود إلى مدوّنة الريحانيّة بعبدا بحديث عن الموت. كأنّ أشُهر الحمْل صارت عندنا تطرح أجنّة الحياة بعدما ناءت قلوبهم بثقل ما فيها.
الياس القّصيفي لم يكمل عقده الخامس هنا، بل ذهب إلى حيث يعقد جلسة ليس فيها غير الشعر والضحك مع والده وجديّه وعمّه وابن عمّه الشابّ مارون وابنة عمّه الطفلة مي، وسائر الغائبين من أهالي الريحانيّة الذين يحضرون كلّما اجتمع الأحياء لتبادل التعازي، وما عادوا يلتقون إلّا لذلك!
تناول الياس القصّيفي طعام الغداء، ودخل إلى غرفته لينال قسطًا من الراحة في قيلولة اعتاد عليها، ونسي أن يستيقظ. نام باكرًا فطار النوم من عيون أمّه الثكلى وشقيقتيه المفجوعتين وزوجته وابنتيه اللواتي لم يصدّقن بعد ما جرى، ووحيده الذي ورث باكرًا هموم الحياة.
والدته الآن في المستشفى، يحاول الأطبّاء أن يسعفوا قلبًا يريد أن يتوقّف عن الخفقان ليترك للأمّ أن تلتحق بوحيدها. لكنّ الياس يعرف أنّ أولاده في حاجة إلى وجودها إلى جانبهم، وسيطلب منها أن تكون قويّة ومؤمنة وأن ترعى ابنه وابنتيه وزوجته، وأن تكمل رسالتها بالنيابة عنه، وهو من حيث هو، بصحبة والده وجدّه وجدّته، سيسهر عليهم ويفرح لفرحهم ويشجّعهم في لحظات حزنهم.
الشابّ الرياضيّ الذي لا يعرف غير الابتسامة والحماسة، أسرع إلى الموت والحياة لمـّا تزل تليق له، وعلى الريحانيّة اليوم وهي تودّعه أن تدعو أبناءها إلى التمهّل للتأمّل في معاني الحياة والموت، في انتظار حياة لا موت فيها.
أصدقاء الرياضة، وزملاء لعب الورق والأركيلة، وبلديّة بعبدا، والعائلة، وصور الطلائع والفرسان، وكنيسة مار الياس التي كان الياس يسعى لإضافة صالة كبيرة إليها، وطرقات الريحانية ... كلّهم سيقولون له اليوم: إلى اللقاء حيث يحلو لقاء المؤمنين!