الاثنين، 17 أكتوبر، 2011

الستّ "شفيقة"




لم تشبه سواها من نساء الحيّ، تلك السيّدة الشابّة الجميلة التي تزوّجت الأرمل "ساسين"، وأنجبت له عائلة. كانت كمن وصل خطأ إلى غير مكانه وزمانه، غير أنّها لم تثر ولم تخالف تقاليد المرحلة وعادات أهل الحيّ، بل انسجمت وذابت في النسيج الاجتماعيّ حتّى صارت منه وفيه.
كان زوجها يكبرها بأعوام كثيرة: مُزارع لا تفارق علبة الكبريت جيب سرواله الكاكيّ الفضفاض، تنجده حين يريد تخليص الأرض من الحشائش والأغصان اليابسة التي يجمعها كومًا كومًا، فيحرقها غير عابئ بصراخ الجارات اللواتي نشرن منذ قليل غسيلًا ناصع البياض، ولم تكن الغسّالات الأتوماتيكيّة قد انتشرت بكثرة بعد، ما يجعل الاعتراض على الدخان في محلّه وإن لم يصل الأمر مرّة إلى حدّ الشجار والزعل. كان عنده ولدان: "طانوس" و"أنطون" (والاسمان يشيران إلى قدّيس واحد هو مار أنطونيوس)، فكان "ساسين" يكنّى بـ"أبو طانيوس". أمّا هي فكانت "إم جوزف". ورافق ذلك اللغز المحيّر طفولتنا إلى أن اكتشفنا مع الأيّام خفايا العائلات وروابط القربى.
وللستّ "شفيقة" هوايتان اشتهرت بهما: لعب الطاولة (طاولة الزهر) تنافس فيها رجال الضيعة، والاعتناء بشتلات "الحبق" التي صارت متعة للعين بلونها الأخضر وشكلها الدائريّ وطيبًا للأنف بعطرها الفوّاح خصوصًا حين كانت "إم جوزف" تبلّل كفّيها بالمياه وتربّت على الشتلات لتعطيها شكلًا دائريًّا يغري الناظرين بالرغبة في الحصول عليها. ولم تكن الستّ لترضى بالتفريط بها، ولو كان موسم النبتة قصيرًا.
غير أنّ ما يبقى في البال من ذكرياتنا عن جارتنا التي كانت تدخّن سكائر المارلبورو (لعلّها كانت المرأة الوحيدة في الحيّ التي تفعل ذلك علنًا)، فإدمانها الصلاة، بل الأصحّ مخاطبة العذراء كما كانت تصف خلوتها أمام تمثال السيّدة العذراء في زاوية غرفة الاستقبال، وحوله الشموع وأواني الزهور ومجموعة صور لنخبة من القدّيسين والقدّيسات.
انكسرت الستّ "شفيقة"بعدما قتل ابنها البكر "جوزف" أثناء معركة "تل الزعتر" (11 تمّوز 1976) في بداية الحرب اللبنانيّة. صورتان تعودان إلى الذاكرة من ذلك المأتم: مشهد "الست شفيقة" وهي تحلّ شعرها المربوط دائمًا في شكل دائرة أسفل رأسها، وطلبها من بنتها "نورما" أن تربط شعرها. وحين سألت عن سبب هذه التصرّفات فهمت أنّ الأمّ ترخي شعرها لتشده من حزنها، والفتاة تجمعه كي لا تبدو كأنّها تتباهى به. المشهد الثاني كان للوالد العجوز المفجوع الذي حمل بندقيّة وأراد أن يطلق النار في الجوّ فأحاط به الرجال ومنعوه.
موت الابن شيء وموت الزوج شيء آخر. هذا ما تعلّمناه من حزن تلك السيّدة التي بقيت حتّى آخر يوم من حياتها تعزّي نفسها بأنّها ليست أفضل من مريم العذراء. في حين لم يبق من موت العمّ "ساسين" أيّ ذكرى. لقد مات ودفن في قريته "إهمج" (أعالي بلاد جبيل)، بعد أعوام على مقتل ابنه، وكانت الحرب في ذروة احتدامها، وكانت "الريحانيّة" تتعرّض لقصف شديد فلم يشارك أحد من أبنائها في مأتم الرجل الذي كان يخلّص الأرض من حشائش يابسة يضرم بها نارًا يسهل إخمادها، في حين لا نزال إلى اليوم عاجزين عن إخماد الحريق الكبير الذي يلتهم الأخضر واليابس.

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

الله يرحمها، ويرحمنا

ماري القصيفي يقول...

صحيح، رحمها الله ورحمنا نحن أيضًا