‏إظهار الرسائل ذات التسميات طرق وأبنية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات طرق وأبنية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 16 نوفمبر 2025

الريحانيّة تخسر مستشفى سان شارل

 

مستشفى سان شارل المشرف على بيوت الريحانيّة


     لم يخطر لي من قبل أن أبحث عن تاريخ مستشفى سان شارل. فهذا المبنى رافق محطّات مصيريّة ومفصليّة في حياتنا نحن أهل الريحانية حتى بدا كأنّه امتداد طبيعيّ لبيوتنا. ولا يبحث المرء عن تاريخ بيته إلّا متى حدث ما يدعوه إلى ذلك. وقد حدث ما يدعوني إلى التنقيب في تاريخ المستشفى وفي الذاكرة.
     بنت الرهبنة الألمانيّة المسمّاة على اسم القدّيس شارل المستشفى في عين المريسة عام 1908، وفي العام 1963، انتقل المستشفى إلى الريحانيّة، وفي 1980 انتقل إلى راهبات القلبين الأقدسين، وفي آب 2022 صار تابعًا لمستشفى أوتيل ديو ولجامعة القديس يوسف.
     بالنسبة إلينا كان مستشفانا. وكفى.
    كان المريض منّا حين يمرّ على قسم المحاسبة قبل أن يغادر، يقول له مسؤول المحاسبة: يا عمي ع شو مستعجل؟ المستشفى إلكن إنتو أهل الريحانية، هلأ عاجقة عليي، الحمد لله ع السلامة وتبقى مرق ادفع بعدين.
     كنّا نعرف الفريق الطبيّ والتمريضيّ والإداريّ، وكانوا كلّهم يعرفوننا بالاسم لا بالمرض ولا برقم الغرفة.
     اليوم خسرنا كلّ هذا، وصار المستشفى مكانًا غريبًا، نقصده برهبة ونغادره متحسّرين على زمن الراهبات الألمانيّات اللواتي، وإن باعدت بيننا اللغة، عرفن كيف يكسبن القلوب بلغة المحبّة.
    أهل الريحانيّة اليوم لا يتجاوز عددهم الخمسين مقيمًا، بعدما جذبت الغربة بناتها وأبناءها فتوزّعوا بين أستراليا وكندا وفرنسا وبريطانيا ودول الخليج، تاركين خلفهم العجزة والمرضى وأولاد خمسة.
***
     في العاشرة من عمري خضعت لعمليّة جراحيّة كانت تستدعي بقائي في المستشفى شهرًا كاملًا، غير أن الدكتور رامز عوّاد، جرّاح العظم، قال لوالدي: عندك عائلة وستكون الكلفة باهظة. بيتكم على طريقي، ستغادر ابنتكم بعد أسبوع، وسأمرّ عليكم كلّ يوم صباحًا لأقوم بعمليّة تطويل الساق، وأجرتي كوب من العصير.
    وهكذا سائر أطباء تلك المرحلة. الدكتور الجرّاح شاهين بو سليمان، لا يزال، بالرغم من تقدّمه في السنّ، كلّما مرّ مع سائقه من أمام بيتنا، يتوقّف ويسأل عن كلّ منّا بالاسم.
    وبعدهما وسواهما، استلم المهمّة الإنسانيّة الدكتور ميشال فغالي الذي يزور مرضاه صباحًا ومساء، ويردّ على الاتّصالات الهاتفيّة، ويتابع حالاتهم في بيوتهم.
     كان أصدقاؤنا يستغربون إصرارنا على الاستشفاء في سان شارل حتّى بعد رحيل الراهبات الألمانيات. وكان جوابنا دائمًا: "نعرف الجميع وهم يعرفوننا. نشعر بالأمان فيه". حتّى عندما استحدثت الإدارة الجديدة مواقف للسيّارات ذات تعرفة باهظة، بقي الموظفون يتساهلون إن ركنّا السيّارة لدقائق مردّدين العبارة نفسها: يا جماعة المستشفى إلكن وإنتو قبلنا هون.
     اليوم أخذوا منّا مركز أماننا إن مرضنا. كأن لا يكفي الريحانيّة ما أصابها من هجرة واجتياح الباطون وهجوم سماسرة الأرض حتى اكتمل مشهد الخراب بتحوّل المستشفى مكانًا تسكنه البرودة وتتنزّه في أروقته شرطة الوقت، ويلاحقنا المحاسب كأنّنا سنحمل كيس المصل ونهرب.
***
     من حقّ الإدارة الجديدة أن تحوّل مستشفى سان شارل مركزًا جامعيًّا حديثًا وأن تعمل بعقليّة رجال الأعمال، ومن حقّنا أن نتذكّر ونحزن لأنّ الحياة في الريحانيّة لم تعد كما كانت عليه... وكذلك المرض ومواجهة خطر الموت. لقد خسرنا مستشفانا الآمن حيث غادرت أرواح أقربائنا وأنسبائنا أجسادها وهي محاطة بالرعاية والمحبة.
***
     فلنعترف بأنّ الخمسين الباقين من أهل الريحانيّة ليسوا زبائن "ربّيحين" من حيث العدد على الرغم من كونهم جميعًا يحملون بطاقات التأمين الصحّي يبرزونها في وجه الإدارة كي تطمئن.
      التجديد من طبيعة الحياة الاستشفائيّة وواجب علميّ على شرط ألّا يكون قلب المجدّدين من حديد.

السبت، 27 ديسمبر 2014

الريحانيّة: حسم الصراع بين الديك والكلب


من بيتنا كنّا نرى السماء والبحر
 
من بيتنا صرنا نرى غابة الباطون


     كنّا نستيقظ عند الفجر على صوت الديكة، فصرنا ننام آخر الليل على نباح الكلاب المرفّهة من على شرفات الشقق الفخمة... هذا ما كانت عليه الريحانيّة وهذا ما صارت إليه... ولكن لا تحسبوا أنّ قاطني هذه الشقق الأثرياء ارتفعوا مقدار سنتيمرات عن مزبلة ديكتنا... فحين تصدح من شققهم، بين نباح كلب وجواب آخر عليه، أغنيات فارس كرم ومحمد اسكندر ومن يشبههما في مستوى الشعر في أغنياتهما، نعرف أنّ ارتفاع أسعار الشقق حولنا إلى ما يقارب المليون دولار لا يعني أنّنا صرنا في بلاد الحضارة...
     كانت الجغرافية عندنا تتوزّع بين هذه الأمكنة:
جَلّ العودة، وجلّ الصرصور، وجلّ الخندق، وجلّ البيدر، وجلّ الطريق، وجلّ الحنّوش، ...
دوّيرة الحدّاد، دوّيرة العرايش، دوّيرة التين، دوّيرة المقصبيّة، دوّيرة ليمون البردقان،...
نقبة وديع، نقبة الخلّة، نقبة تامر، نقية المِئسَيْس، نقب الشمالي، نقبة الدكلة، نقب الجديد،...
خندق فندي، خندق المصريّ، ...
حرج رفقا، كرم الشيخ، زيتونة الأوتيل، نبعة بو رشيد، ...
     أمّا اليوم فأسماء المباني أجنبيّة، كأسماء الكلاب التي تنزّهها العاملات الأجنبيّات، يتسوّل المقيمون فيها شجرة عندنا، عندنا نحن أبناء البلدة الأصيلين، ليلعب في فيئها أولادهم...
     تقيم بلدتي في الغربة، وكلّما ارتفع بناء جديد فيها قصُر النهار، وصارت الشمس تغيب عن بيتنا خلف الطبقات العليا التي سرقت منّا الضوء وأغرقتنا في عتمة مبكرة...
     كان لكلّ بيت في بلدتي ديك يصدح فتولد الشمس من حنجرته، فصار في كلّ منها كلبٌ يخاف من الليل، فينبح ليستأنس بصوته...
     كان في كلّ بيت امرأة ترى أنّ أوراق الأشجار اليابسة طعام الأرض، فصار فيها سيّدات يأمرن بقطع الأشجار حفاظًا على النظافة...
     كان في كلّ بيت رجلٌ يقرأ في السماء علامات المطر وفي الأرض مواعيد العطاء، فصار فيها وجوه تقيم في إطار الغياب...

    كان في بلدتي دروب، وحين شقّت صدرها طريق الإسفلت العريضة، اسودّت عيشتنا وصدورنا وقلوبنا وأفكارنا... وصارت البلدة مدينة غرباء لا نعرف وجوههم ولا أسماءهم... نعرف فقط أنّهم أثرياء ويربّون كلابًا...

الأربعاء، 14 ديسمبر 2011

يوم بدأت الريحانيّة تخسر طابعها الهادئ

الآلات تغتال الأشجار وتقتحم الذكريات

اليد الحديديّة تحكم قبضتها على مدخل البلدة

هكذا اغتيلت طبيعة الريحانيّة أمام أنظارنا وعجزنا

اليافطة تهنّئ بعيد الميلاد و"الجرّافة" تنذر بميلاد مدينة لا تشبه أهلها الأصلييّين

اقتلاع الجذور وأغصان التينة الشتائيّة الشاهدة لن تعرف الربيع

الثلاثاء، 25 أكتوبر 2011

حين تمرّ الطريق وترتفع الأبنية

حركة بناء بدأها أهل الريحانيّة ولم يعرفوا أنّهم سيحزنون حين سيبدأ سواهم بالبناء
مبنى عزيز وبشارة القصيفي خلال رفع طبقاته (3 نيسان 1966)
أقمنا نحن في الشقة جهة اليمين (حيث عواميد الخشب)
قبل ذلك أقمنا في الطابق الأرضيّ جهة الشمال (وهناك ولدت)

هدم هذا الخمّ (1 آذار 1992) وأقيم مكانه مبنى راق جدًّا (2008)
وذبح الديك وأقام مكانه مغنّ
في الحقيقة ثمّة فرق بين الصوتين!

كان جريس الغاوي (خال والدي) يقيم في هذا المنزل
الطريق العامّ العريض محا البيت من الوجود

حين أقفل الباب في منزل المرحوم جريس الغاوي عند وفاته

بمثل هذه الأواني المنزليّة كانت حياة المزارعين تكتمل

الدرج إلى الدكّان الوحيد في داخل القرية
على الدرج: شربل بشارة القصيفي (1979)
صاحب الدكّان: طانيوس نخله القصيفي (هاجر مع زوجته إلى أوستراليا)

من شرفة منزلنا كنّا نرى البحر
المبنى إلى يمين الصورة لعائلة بو لحّود

مدخل الريحانيّة من جهة الشمال لم يعد هكذا
ارتفع فوقه جسر ضخم